مصطفى لبيب عبد الغني
24
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
الزهراوى في إرجاع تخلّف الجراحة واندراس تقاليدها في زمنه وبيئته إلى عوامل عديدة يأتي في مقدمتها عدم الدراية بالتشريح على المستويين النظري والعملي ، وهو ما عبّر عنه في مفتتح مقالته الجراحية : « إن العمل باليد محسنه في بلدنا وفي زماننا معدوم البتّة حتى كاد أن يدرس علمه وينقطع أثره . . . والسبب الذي [ له ] لا يوجد صانع محسن بيده في زماننا هذا لأن صناعة الطب طويلة وينبغي لصاحبها أن يرتاض قبل ذلك في علم التشريح الذي [ وضعه ] جالينوس حتى يقف على منافع الأعضاء وهيئاتها ( وصفاتها ) ومزاجاتها واتصالها وانفصالها [ وأفعالها ] ومعرفة العظام والأعصاب والعضلات وعددها ومخارجها والعروق النوابض والسواكن ومواضع مخارجها ، ولذلك قال أبقراط إن الأطباء بالاسم كثير وبالفعل قليل ولا سيما في صناعة اليد . . لأن من لم يكن عالما بما ذكرنا من التشريح لم يخل أن يقع في خطأ يقتل الناس به كما شاهدت كثيرا ممن ( تصدّر ) في هذا العلم وادّعاه بغير علم ولا [ دربة ] « 1 » .
--> - المعرفة العلمية وتفصيلاتها لم تكن دقيقة كل الدقة بحكم وسائلهم في التعرف على ذلك الماضي برغم بذلهم أقصى الجهد في الاستقصاء والتحري . وفي الحقيقة ليس هناك ما يحمل على الاعتقاد بالأسبقية المطلقة لجالينوس ولا لأبقراط أو سواهما في ميدان المعرفة الطبية برغم التصريح المتكرر عند المؤرخين لهما بالأبوة والريادة . كل مّا في الأمر أن الجهود العلمية الأقدم - وبالذات الخبرة المصرية العظيمة في الجراحة وفي غيرها من فروع الطب العديدة والتي تعكسها البرديات القديمة مثل بردية ادوين سميث - Edwin Smith والتي لم يكن للعرب عهد بها قد توارت ثم ذابت لاعتبارات عديدة في خبرة اليونان . راجع في ذلك سبيل المثال : - هوميروس : الأوديسة ، الكتاب الرابع ، 227 - 232 . - هيرودوت ، الفصل الثاني 84 . والاحالات كثيرة في المصنفات الابقراطية للطب المصري القديم وبخاصة في المجلد العاشر ، 572 والتي نشرها Littre في باريس . - A . Rcy : " La Science Oriental avant les Grecs , " P . 335 , Paris , 1942 . ( 1 ) المصدر السابق . مقدمة الباب الأول ، ص 3 - 5 . والذي يجب أن يوضع في الاعتبار هنا مراعاة الأطباء المسلمين للإطار الاجتماعي الذي تنسج في محيطه المعارف الحادثة ، وما اشتمل عليه من محاذير كانت تقيّد عملهم في أحيان كثيرة وكانت تلجئهم في الأعم الأغلب إلى الإهابة بآراء جالينوس أو غيره عند تعرضهم لتشريح الأعضاء وذكر منافعها مع إدراكهم بأنه حتى جالينوس نفسه قد وقف عند حد تشريح الحيوانات فقط ولم يتعرض لأجسام الأدميين ، ودرسوا بعض الأعضاء كالقلب والعينين والكبد درسا دقيقا . -